الشيخ محمد رشيد رضا

123

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 179 ) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * * * ذكر المفسر وغيره ان القصاص على القتل كان محتما عند اليهود وأن الدية كانت محتمة عند النصارى وان القرآن جاء وسطا يفرض القصاص إذا أصر عليه أولياء المقتول ويجيز الدية إذا عفوا . وقد أقرهم الأستاذ الامام على قولهم ان القتل قصاصا كان حتما عند اليهود كما في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج والعشرين من التثنية . وأنكر عليهم قولهم ان الدية كانت حتما عند النصارى فإنه ليس في كتبهم شيء يحتم عليهم ذلك إلا أن يقال إن ذلك مأخوذ من وصايا التساهل والعفو وجزاء الإساءة بالاحسان في الإنجيل ، ولكن أخذ الدية ضرب من ضروب الجزاء ينافي هذه الوصايا وإذا نظرنا في أعمال الأولين والآخرين وشرائعهم في القتل نجد القرآن وسطا حقيقيا لا بين ما نقل عن اليهود والنصارى فقط بل بين مجموع آراء البشر من أهل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية ، فقد كانت العرب تتحكم في ذلك على قدر قوة القبائل وضعفها ، فرب حر كان يقتل من قبيلة فلا ترضى قبيلته بأخذ القاتل به بل تطلب به رئيسها ، وأحيانا كانوا يطلبون بالواحد عشرة وبالأنثى ذكرا ، وبالعبد حرا ، فان أجيبوا وإلا قاتلوا قبيلة القاتل وسفكوا دماء كثيرة ، وهذا إفراط وظلم عظيم تفتضيه طبيعة البداوة الخشنة . وفرض التوراة قتل القاتل إصلاح في هذا الظلم ، ولكن يوجد في الناس لا سيما أهل القوانين في زماننا هذا من ينكر المعاقبة بالقتل ويقولون إنه من القسوة وحب الانتقام في البشر . ويرون أن المجرم الذي يسفك الدم يجب أن تكون عقوبته تربية لا انتقاما ، وذلك يكون بما دون القتل ، ويشددون النكير على من يحكم بالقتل إذا لم تثبت الجريمة على القاتل بالاقرار ، بان ثبتت بالقرائن أو بشهادة شهود يجوز عليهم الكذب ، ويرون أن الحكومة إذا علمت الناس التراحم في العقوبات فذلك أحسن تربية لهم ، ومنهم من يقول إن المجرمين لا يكونون إلا مرضى العقول فالواجب أن بوضعوا في